هشام جعيط

268

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

من البصرة في حين أن أبا مخنف كان من أبناء الكوفة بامتياز . وكان يفصلهما قرن أو يزيد ، لكن عمر بن شبة كان من المعمّرين وهو يعتبر أول المؤرخين للعصر العباسي ومن أجودهم دون شك ، فقد اهتم بالمدن وألف بالخصوص كتابين عن الكوفة « 1 » استمد منهما الطبري هذا القول على الأرجح . كان بعيدا عن الأحداث قياسا لأبي مخنف ، وأقل دراية منه أيضا - في نسق المعاش - بأسرار الكوفة القديمة في العصر الأموي لكن لا يمنع ذلك من أنه مصدر جدير بالثقة والمراجعة والنظر والمقابلة بمصدرنا الرئيس . يضمّ تأليف عمر بن شبة بصفة تراكمية عدة أخبار حاول الطبري تقديمها ضمن رواية مسترسلة متفاوتة التماسك . وقد أورد في عدّة أماكن العناصر الطوبوغرافية البارزة المتمثلة في دار الرزق والسبخة والجسر . فورد خبر أول مقتضب « 2 » يصف الخطوط الكبرى لمسيرة الحجاج وقتيبة : باب الفيل - وطريق دار السقاية - السبخة ، « وبها عسكر شبيب » . ولم يذكر سكة البريد أو السكك الأخرى ، أو أنه ذكر القليل عنها لكنه أوحى بوجود طريق كبرى تنطلق من مركّب المسجد والقصر ، وتنفتح على السبخة ، وقد كانت محاذية لدار السقاية التي مر ذكرها « 3 » . ثم يتوسع مؤلفنا في القول ويدقق ويزداد وضوحا . فقد ذكر أن شبيبا وهو لا يزال على ضفة النهر الثانية وجه أحد ضباطه ليفتش عن مكان يعسكر فيه « على شاطىء الفرات في دار الرزق » « 4 » ومنع الرجل من ذلك مرة أولى ، من طرف جنود تمركزوا بأفواه السكك . فوفق في هزمهم . ويبدو أن التحكم في المخارج - مخارج الشمال دون شك - كان حاجزا للوصول إلى هذه الدار . « ومضى البطين إلى دار الرزق ، وعسكر على شاطىء الفرات وأقبل شبيب فنزل دون الجسر » « 5 » . المهم في هذه الجملة تحديد موقع دار الرزق على ضفة النهر اليمنى . والأهم من ذلك أن عبارة « شاطىء الفرات » فيما يظهر ، تنطبق خاصة على قسم معين من النهر يقع في شمال الكوفة مباشرة بأعلاها « 6 » وهو ما يطابق بنية معينة لسطح النهر تختلف دون أي شك في السبخة . هذا وإن مكان دار الرزق بالنسبة للجسر

--> ( 1 ) الفهرست ، تحقيق رضا تجدد ، طهران 1971 ، ص 12 ؛ وص 112 - 113 من طبعة فلوجل Flu ? gel ، بيروت . ونحن نستغرب نوعا ما أن فؤاد سزكين رتبه ضمن مؤرخي الأقاليم بعنوان « وسط بلاد العرب وجنوبها » مغفلا تماما كتابيه المؤلفين عن الكوفة وتأليفه كتاب التاريخ . انظر : Geschichte des arabischen Schrift - . tums , Leyde 1960 نقل إلى العربية بعنوان تاريخ التراث العربي ، القاهرة 1977 ، ج 1 ، ص 555 . ( 2 ) الطبري ، ج 6 ، ص 272 - 273 . ( 3 ) انظر ما سبق . ( 4 ) الطبري ، ج 6 ، ص 274 . لم يقل أبو مخنف شيئا عن هذه المرحلة الثالثة من نشاط شبيب . ( 5 ) المرجع نفسه ، ج 6 ، ص 274 . ( 6 ) كثيرا ما تكررت هذه الكلمة لما روى سيف معركة الجسر : الطبري ، ج 3 ، ص 455 - 457 . وأيضا بالنسبة لمعركة البويب ، المرجع نفسه ، ص 470 .